Categories: عام

«اقتصاد المعرفة».. رهان استراتيجى للمستقبل – الأهرام اليومي

لم يعد اقتصاد المعرفة مجرد توصيف لمرحلة متقدمة من التطور الاقتصادي، بل أصبح نموذجا أساسيا لإعادة صياغة علاقة المجتمع بالإنتاج والتعليم والتكنولوجيا والابتكار. وفى هذا السياق، يأتى كتاب «اقتصاد المعرفة كاستراتيجية للتنمية المستدامة» للدكتور محمد عبد القادر شتيوى والصادر عن دار العربى للنشر، بوصفه محاولة فكرية لبلورة هذا التحول من إطار نظرى إلى تصور استراتيجى للتنمية، واضعا اقتصاد المعرفة فى قلب معادلة الاستدامة والنمو طويل الأجل.

يستهل الكتاب رحلته بتأصيل مفهوم اقتصاد المعرفة، موضحا أنه ليس مجرد قطاع تكنولوجي، بل هو الاقتصاد الذى يشكل فيه إنتاج وتوزيع واستخدام المعرفة المحرك الرئيسى لعملية النمو المستدام. ويشير إلى أن هذا التحول لم يحدث فجأة، بل مر بمراحل تاريخية متتابعة، بدءا من اقتصاد الموارد الأولية، مرورا باقتصاد الكفاءة التشغيلية، وصولا إلى الاقتصاد القائم على الابتكار.

يتفق هذا التطور مباشرة مع الرؤية السياسية المصرية التى أدركت مبكرا أن المستقبل الاقتصادى لمصر يعتمد على الاستثمار فى الإنسان والعقل، فى انتقال واضح من مرحلة الاعتماد على الموارد التقليدية إلى مرحلة القيمة المضافة المعرفية.

يقدم الكتاب مقارنة جوهرية بين الاقتصاد التقليدى واقتصاد المعرفة، وهى مقارنة ضرورية لفهم التحديات التى تواجه الاقتصادات الناشئة مثل مصر. فالاقتصاد التقليدى يعتمد على أصول تفقد قيمتها بعدم الاستخدام مثل الآلات، بينما يعتمد اقتصاد المعرفة على أصول تحتفظ بقيمتها وتنمو بالاستخدام مثل المعرفة والبيانات. ويوضح الكتاب أن المعرفة ليست مجرد مدخل إنتاج، بل إطار يعيد صياغة علاقات القوة الاقتصادية، ويحدد قدرة الدول على المنافسة والاندماج فى الاقتصاد العالمي.

لا يتعامل الكتاب مع اقتصاد المعرفة بوصفه قطاعا من القطاعات، بل كنظام متكامل يعيد تعريف عناصر التنمية، من رأس المال المادى إلى رأس المال البشري، ومن الاستثمار فى الأصول التقليدية إلى الاستثمار فى العقل والابتكار والمعرفة التراكمية. وهو منظور ينسجم بدرجة كبيرة مع التوجه المصرى الراهن الذى جعل من اقتصاد المعرفة أحد أعمدة رؤية مصر 2030.

ويميز بوضوح بين النمو الاقتصادى والتنمية المستدامة، فالنمو قد يتحقق عبر التوسع الكمى فى الإنتاج، أما التنمية المستدامة فتتطلب بناء قدرات ذاتية متراكمة، وهو ما لا يتحقق إلا عبر الاستثمار فى المعرفة.

يربط المؤلف بين اقتصاد المعرفة والاستدامة من خلال ثلاث دوائر مترابطة: أولاها: البعد الاقتصادى عبر رفع الإنتاجية وتنويع الهيكل الإنتاجى وزيادة القدرة التنافسية. وثانيتها: البعد الاجتماعى الذى يتضمن تحسين فرص العمل النوعية والحد من الفقر المعرفى وتحقيق تكافؤ الفرص فى التعليم والتكنولوجيا. أما البعد الثالث فهو البعد البيئى من خلال تطوير حلول تكنولوجية تقلل من استنزاف الموارد وتحسن كفاءة الطاقة.

تتقاطع هذه الأبعاد الثلاثة بعمق مع الخطاب المصرى الرسمى حول التنمية الشاملة، الذى يربط بين العدالة الاجتماعية والتحول الرقمى والنمو المستدام. وإذا قرأنا الواقع المصرى المعاصر فى ضوء ما يطرحه الكتاب، نجد درجة عالية من التوافق بين النظرية والتطبيق، بدءا من التحول الرقمى وبناء البنية التحتية الذكية بوصفها قاعدة اقتصاد المعرفة، وهو ما يتجسد فى توسع مصر فى شبكات الاتصالات والرقمنة الحكومية وبناء المدن الذكية مثل العاصمة الإدارية الجديدة، بما يمثل تطبيقا عمليا لفكرة البيئة الممكنة للمعرفة.

وفى مجال تنمية رأس المال البشري، يضع الكتاب الإنسان فى مركز المعادلة التنموية، وهو ما يتجلى فى التوجه المصرى لتطوير منظومة التعليم وإدخال المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعى وعلوم البيانات ضمن الأولويات الوطنية، لتتحول المعرفة من محتوى تعليمى إلى قدرة إنتاجية قابلة للتوظيف فى الاقتصاد الرقمي.

أما دعم البحث العلمى والابتكار، فيؤكد الكتاب أن البحث العلمى هو الجسر بين المعرفة والنمو الاقتصادي. ويواكب ذلك فى مصر اهتمام متزايد بمراكز البحث والجامعات وحاضنات الابتكار، والسعى لتحويل مخرجات البحث إلى منتجات وخدمات قابلة للتطبيق الاقتصادي. ويتكامل ذلك مع الاتجاه المصرى القوى نحو توطين التكنولوجيا ودعم ريادة الأعمال، إدراكا لأهمية بناء قاعدة وطنية للمعرفة وعدم الاكتفاء بالاستهلاك التكنولوجي، وذلك عبر جذب الاستثمارات التكنولوجية وتشجيع الشركات الناشئة وبناء منظومة داعمة للاقتصاد الرقمي.

إن طموح مصر لزيادة إسهام اقتصاد المعرفة فى الناتج المحلى الإجمالى بحلول عام 2030 ليس مجرد أمنية، بل مسار إجبارى تفرضه التحولات العالمية التى تؤكد أن الدول التى لا تمتلك المعرفة، لن تتقدم فى المستقبل.

Recent Posts

خلال مؤتمر صحفى لبعثة طرق الأبواب فى واشنطن.. المؤسسات الأمريكية: مصر تمتلك مقومات جذب الاستثمارات – الأهرام اليومي

كشفت مباحثات ولقاءات بعثة طرق الأبواب فى دورتها رقم 43 التى تنظمها الغرفة التجارية الأمريكية…

6 أشهر منذ

ثبات سعر الدولار مقابل الجنيه اليوم الأحد 26-4-2026 فى البنوك المصرية

ثبات سعر الدولار مقابل الجنيه اليوم الأحد 26-4-2026 فى البنوك المصريةثبت سعر الدولار الأمريكى مقابل…

6 أشهر منذ

خلال مؤتمر صحفى لبعثة طرق الأبواب فى واشنطن.. المؤسسات الأمريكية: مصر تمتلك مقومات جذب الاستثمارات

خلال مؤتمر صحفى لبعثة طرق الأبواب فى واشنطن.. المؤسسات الأمريكية: مصر تمتلك مقومات جذب الاستثماراتكشفت…

6 أشهر منذ

​نقلة في شريان مصر المائي.. النقل تدعو للاستثمار في تطوير النقل النهرى

​نقلة في شريان مصر المائي.. النقل تدعو للاستثمار في تطوير النقل النهرى​في إطار رؤية الدولة…

6 أشهر منذ

الشراكة الاستراتيجية بين مصر وقبرص… تقارب سياسي وفوائد اقتصادية

عكس إعلان مصر وقبرص ترفيع العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، تقارباً في المواقف…

6 أشهر منذ

المديونية المصرية «ثقيلة» في 2026… لكن السداد «ممكن»

تنتظر مصر في عام 2026 سداد نحو 38 مليار دولار على الأقل، بحسب تقديرات للبنك…

6 أشهر منذ