مصر والصين.. علاقات راسخة ومستقبل واعد

مصر والصين.. علاقات راسخة ومستقبل واعد

تعد العلاقات المصرية – الصينية نموذجا لعلاقات التعاون والاحترام المتبادل منذ نشأتها عام 1956 وحتى الآن، وعلى مدار هذه العقود ازدادت العلاقات رسوخا لتتوج بتوقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين عام 2014، وهى الاتفاقية التى دشنت مرحلة جديدة من التعاون المثمر فى كافة المجالات الاقتصادية والاستثمارية والعلمية، وأصبحت نموذجاً للتعاون بين الدول النامية.

هذه المحاور وغيرها كانت محور لقاء المتحدثة باسم الخارجية الصينية “ماو نينج” مع الصحفيين خلال زيارتها القصيرة للقاهرة مؤخرا، التى التقت خلالها السفير تميم خلاف، المتحدث باسم وزارة الخارجية والهجرة، لعقد أول جولة مشاورات بين المتحدثين باسم وزارتى الخارجية فى البلدين، إيذانا ببدء مرحلة جديدة من التعاون فى مجال الصحافة والدبلوماسية العامة بين الوزارتين، فى دلالة واضحة على عمق الشراكة الاستراتيجية التى حققت قفزة كبيرة خلال السنوات الأخيرة فى كافة المجالات.

ورغم أن الشق الاقتصادى احتل جانبا مهما من الحديث، خاصة أن الصين تعد أكبر شريك تجارى لمصر لـ 13 عاما متتالية، كما تعد من أنشط المستثمرين فى مصر وأسرعهم نموا، حيث تجاوز عدد الشركات الصينية فى مصر 2800 شركة، وبلغت قيمة الاستثمار 9 مليارات دولار، فإن الحديث لم يغفل أيضا حرص المتحدثة على شرح أبعاد تجربة التحديث الصينية، التى تحولت بموجبها الصين من دولة فقيرة إلى أكبر دولة صناعية وثانى أكبر اقتصاد فى العالم، وأنجزت خلال بضعة عقود عملية تصنيع هائلة، وصنعت معجزة النمو الاقتصادى السريع والاستقرار الاجتماعى طويل الأمد.

كما حرصت خلال حديثها على الإشارة إلى أن كلا من مصر والصين لديهما رؤى وأنظمة متشابهة، مشيرة فى هذا الصدد لـ “رؤية مصر 2030″، التى حددت أهداف واضحة وعملية، لرفع مستوى معيشة الشعب وتعزيز التنافسية الوطنية، مشيرة إلى أنه بفضل جهود قيادتى البلدين، امتد التعاون من التبادل التجارى إلى المواءمة الاستراتيجية شاملة الأبعاد، من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى منطقة الأعمال المركزية للعاصمة الجديدة، وصولا إلى التعاون فى مجالات الاقتصاد الرقمى والطاقة الخضراء وغيرهما من المجالات الناشئة، وهو ما سيسهم فى تحقيق إنجازات مشتركة فى طريق الحداثة.

كما حقق البلدان فى إطار التعاون فى مبادرة “الحزام والطريق”، العديد من الإنجازات حيث قامت الشركات الصينية ببناء أعلى برج فى إفريقيا فى العاصمة الإدارية، وأول خط قطار كهربائي، وساعدت مصر فى تنفيذ أكبر مشروع تحديث شبكة الكهرباء، إلى جانب إنشاء أكبر قاعدة لإنتاج الألياف الزجاجية، وأكبر مركز لتخزين اللقاحات، كما جذبت منطقة التعاون الاقتصادى والتجارى المصرى الصينى بالسويس 185 شركة، باستثمارات تبلغ 3 مليارات دولار، وأضافت أن السنوات الخمس المقبلة، ستشهد توسيع التعاون بين البلدين فى إطار “الحزام والطريق”، فى مجالات التصنيع المشترك والبحث العلمى، ودعم مبادرة “حياة كريمة”، وتنفيذ المزيد من المشاريع الصغيرة، بما يعظم الفائدة من المبادرة لتحقيق مزيد من الاستفادة للشعبين، وأشارت إلى أنه فى سبيل تحقيق هذه الأهداف أعلنت الصين استعدادها لتطبيق سياسة الإعفاء الجمركى الكامل على منتجات من 53 دولة إفريقية ترتبط بعلاقات دبلوماسية مع الصين، من خلال توقيع اتفاقية للتنمية الاقتصادية المشتركة.

وبموجب هذا الإعفاء دخلت بعض المحاصيل الزراعية المصرية إلى المتاجر الصينية، كما يحظى القطن طويل التيلة بإقبال كبير لدى المستهلكين الصينيين. ومع مواصلة جهود الصين فى خفض الرسوم الجمركية، وتبسيط إجراءات النفاذ إلى الأسواق، ودفع إنشاء مناطق التجارة الحرة، يمكن للجانبين تعزيز مستوى تيسير التجارة والاستثمار المتبادلين، وتوظيف إمكانات التعاون فى مجالات واعدة مثل تجارة الخدمات، والمدفوعات العابرة للحدود، والتمويل الرقمي، بما يسهم فى خلق مجالات جديدة للتعاون ونقاط جديدة للنمو الاقتصادي.

كما أكدت المتحدثة ترحيب بلادها بمشاركة مزيد من الشركات المصرية فى معرض الصين للاستيراد والتصدير ومعرض الصين الدولى للاستيراد، والمعرض الاقتصادى والتجارى الصينى الإفريقى وغيرها من منصات مهمة، لترويج المنتجات المصرية فى السوق الصينية، وتمكين المستهلك الصينى من التعرف عن قرب على جاذبية المنتجات المصرية.

التعاون فى مجال الابتكار العلمى والتكنولوجى ودفع مسار التنمية، حظى بدوره بنصيب وافر من الاهتمام، حيث يشهد التعاون فى هذا المجال ازدهارا ملحوظا، ويعد التعاون فى قطاع الطيران والفضاء أبرز ملامحه. ففى عام 2023، نجحت الصين فى إطلاق مصر سات (2)، مما جعل مصر أول دولة إفريقية تمتلك قدرات متكاملة فى مجال تجميع الأقمار الصناعية.

ويستخدم هذا القمر الصناعى على نطاق واسع فى مجالات التخطيط العمراني، ومراقبة المحاصيل الزراعية، وإدارة الموارد المائية، وغيرها من القطاعات الحيوية فى مصر. وخلال السنوات الخمس المقبلة، ستعمل الصين على تعزيز تبادل الإنجازات العلمية والتكنولوجية بين البلدين، بما يعود بالنفع على التنمية الصناعية فى مصر.

وفى إطار اهتمام الصين بتعزيز التمكين الأخضر، لم تكتف فقط بالوفاء بتعهداتها فى هذا المجال بل أسهمت صادرات الصين من منتجات طاقة الرياح والطاقة الشمسية فى خفض انبعاثات الكربون فى دول أخرى بنحو 4.1 مليار طن، وفى إطار ما توليه مصر من أولوية قصوى للتحول إلى اقتصاد منخفض الكربون، قامت الصين بتسليم مصر محطة «كوم امبو» للطاقة الشمسية بقدرة 500 ميجاوات، وبدأت رسميا مرحلة الإنتاج، حيث توفر الكهرباء النظيفة لنحو 256 ألف أسرة سنويا، وتخفض انبعاثات ثانى أكسيد الكربون بنحو 760 ألف طن. كما أنشئت فى مصر “ورشة لوبان”، التى أطلقت برامج تدريبية مثل “تقنيات تطبيق الطاقة الجديدة” و”التشغيل والصيانة الذكية لمحطات الطاقة الشمسية”، وأسهمت فى تدريب عشرات الآلاف من الفنيين المتخصصين فى مجال الطاقة الجديدة. وخلال السنوات الخمس المقبلة، تلوح آفاق واسعة للتعاون بين البلدين فى مجالات الطاقة المتجددة، وتصنيع الألواح الشمسية، ومكافحة التصحر، وإدارة الموارد المائية.

ويمكن للتعاون الأخضر بين البلدين أن ينتقل تدريجيًا من مرحلة نقل التكنولوجيا وتنفيذ المشروعات المشتركة إلى مرحلة التكامل الصناعي، بما يساعد مصر على تحسين هيكل الطاقة، وتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري، والمضى قدمًا نحو مستقبل أكثر استدامة وأقل انبعاثًا للكربون.

وفيما يتعلق بالتبادلات الثقافية وتعزيز التفاهم المتبادل، فقد كان للتقدير المتبادل بين الحضارتين المصرية والصينية أثر كبير فى تعدد مجالات التعاون الثقافي، من إقامة المعارض والعروض الفنية، إلى أعمال التنقيب الأثرى المشتركة إلى حماية التراث الثقافي، حيث أصبحت التبادلات الثقافية جسرا مهما يربط بين شعبى البلدين. كما يتواصل تنامى الاهتمام بالثقافة الصينية فى مصر، واستقبل معرض الحضارة المصرية القديمة فى متحف شنغهاى أكثر من 2.77 مليون زائر، مقدما روائع الحضارة المصرية للجمهور الصيني، كما نفذت فرق عمل مشتركة من البلدين أعمال تنقيب أثرى فى عدد من المواقع، وتشهد حركة التبادل البشرى بين الجانبين نموا متسارعا، مع تسيير 36 رحلة جوية مباشرة أسبوعيا، وزيارة نحو 300 ألف سائح صينى إلى مصر خلال العام الماضي.

ولأن العام القادم سيوافق “عام التبادل الشعبى الصينى الإفريقي”، حرصت المتحدثة على الإشارة إلى أن البلدين يمكنهما اغتنام هذه الفرصة لتحقيق مزيد من النتائج الملموسة فى مجالات التعليم والثقافة والسياحة، وتعزيز الزيارات المتبادلة بين الشباب والإعلاميين والباحثين، والارتقاء بالتعاون الثقافى بين البلدين من “تبادل” إلى “التكامل”.

وكما تسعى الصين لربط تنميتها بتنمية العالم، من منطلق معالجة المشكلات والتحديات الحقيقية القائمة، فقد طُرحت فى هذا السياق مبادرة الأمن العالمي، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية، ومبادرة الحضارة العالمية، لتشكّل الركائز لبناء مجتمع ذى مصير مشترك للبشرية.

وفى هذا الصدد، أشارت المتحدثة إلى أن مصر كانت أول دولة عربية تدرج هدف بناء مجتمع ذى مصير مشترك للبشرية فى بيانها المشترك بشأن العلاقات الثنائية، كما دعمت بنشاط المبادرات العالمية الأربع الكبرى. فمنذ طريق الحرير القديم وحتى مبادرة الحزام والطريق اليوم، ظل البلدان يرتبطان بعلاقات وثيقة وتعاون متبادل. خاصة أن العام المقبل سيوافق الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، الأمر الذى سيدشن لمرحلة أكثر إشراقا فى مسيرة تعاون البلدين، والعمل معا للإسهام بصورة أكبر فى بناء المجتمع المشترك للبشرية.

Recent Posts

خلال مؤتمر صحفى لبعثة طرق الأبواب فى واشنطن.. المؤسسات الأمريكية: مصر تمتلك مقومات جذب الاستثمارات – الأهرام اليومي

كشفت مباحثات ولقاءات بعثة طرق الأبواب فى دورتها رقم 43 التى تنظمها الغرفة التجارية الأمريكية…

شهر واحد منذ

ثبات سعر الدولار مقابل الجنيه اليوم الأحد 26-4-2026 فى البنوك المصرية

ثبات سعر الدولار مقابل الجنيه اليوم الأحد 26-4-2026 فى البنوك المصريةثبت سعر الدولار الأمريكى مقابل…

شهرين منذ

خلال مؤتمر صحفى لبعثة طرق الأبواب فى واشنطن.. المؤسسات الأمريكية: مصر تمتلك مقومات جذب الاستثمارات

خلال مؤتمر صحفى لبعثة طرق الأبواب فى واشنطن.. المؤسسات الأمريكية: مصر تمتلك مقومات جذب الاستثماراتكشفت…

شهرين منذ

​نقلة في شريان مصر المائي.. النقل تدعو للاستثمار في تطوير النقل النهرى

​نقلة في شريان مصر المائي.. النقل تدعو للاستثمار في تطوير النقل النهرى​في إطار رؤية الدولة…

شهرين منذ

الشراكة الاستراتيجية بين مصر وقبرص… تقارب سياسي وفوائد اقتصادية

عكس إعلان مصر وقبرص ترفيع العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، تقارباً في المواقف…

شهرين منذ

المديونية المصرية «ثقيلة» في 2026… لكن السداد «ممكن»

تنتظر مصر في عام 2026 سداد نحو 38 مليار دولار على الأقل، بحسب تقديرات للبنك…

شهرين منذ