
قال الدكتور محمود محيي الدين الخبير الاقتصادي المصرى ونائب رئيس البنك الدولي السابق، إن الاقتصاد العالمي دخل بالفعل مرحلة الركود، طبقا لإعلان صندوق النقد الأسبوع الماضي؛ بسبب جائحة فيروس كورونا.
وأضاف خلال ندوة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية عبر وسائل التواصل الإلكتروني، أن التقديرات كان تشير إلى تحقيق نمو للاقتصاد العالمي نسبته 2.6%، إلا أنه سيتحول إلى انكماش بنسبة 1.5%، مشيرًا إلى أن الأسواق الناشئة متوقع أن تحقق نموا إيجابيا نسبته 1%، ولكن قياسا إلى متوسطات الدخول المنخفضة مع النمو السكاني المرتفع في هذه الدول، فإن هذه النسبة تعدا نموا “سيئا للغاية”.
وذكر أن من المتوقع أن تحقق الصين معدل نمو يتراوح بين 1 – 3.3% وهو أمر غير مسبوق على الإطلاق على مدار تاريخ وجودها، وهو ما يشير إلى أن هناك مشكلة كبيرة بالفعل.
عالم جديد يتجه نحو الشرق
وقال محيي الدين، إن هناك عالم جديد يتجه نحو الشرق، وذلك حتى من قبل الأزمة الحالية، وازداد هذا الاتجاه بعد الأزمة، وأن الشرق هنا لا يعني فقط الصين، وهو توجه يقلق الغرب، كما سيكون هناك إختلاف تام في شكل العولمة، وسيشهد العالم فك الارتباط بشكل أكبر، والبدء في توطين الصناعات داخل الدول، وأن الشكل الجديد للعالم سيخلو من المسميات التقليدية لدول العالم الأول والثانى والثالث.
ويرى محيي الدين أن ما نمر به الآن هو مرحلة فراغ عالمي، لا يقاد من أي جهة، ولا يمكن لأى دولة أو مجموعة دول السيطرة، ويشهد النظام العالمي حاليا مجموعة كبيرة من الأزمات والمشكلات، أولها الأزمة الصحية، وأزمة ركود الاقتصاد العالمي، وأزمة الديون، والأزمة المالية، ومشكلات تتعلق بأسواق السلع الغذائية والنفط، وهى الأسواق التى تعانى بشدة الآن.
وأوضح نائب رئيس البنك الدولي السابق، أن دول العالم لم تستفد من أزمات الجوائح الصحية السابقة مثل أنفلوانزا “H1N1″، رغم وجود توصيات دولية بالاهتمام بالرعاية الصحية، لافتا إلى أن الدراسات الخاصة بتقييم المخاطر خاصة التي تصدرها شركات التأمين العالمية وضعت أخطار الأمراض والأوبئة في مرتبة متأخرة بين الثامنة والعاشرة، وهو ما يشير إلى تغييره بالكامل خلال المرحلة المقبلة.
وتابع: “طبقا لمنظمة العمل الدولية، من المتوقع أن يخسر سوق العمل ما بين 5 – 25 مليون عامل حول العالم، وأن هذه التوقعات كانت مقدرة قبل الإعلان رسميا عن دخول الاقتصاد العالمى مرحلة الركود، وهو ما يعنى أن هذه الأرقام مرشحة للتزايد”.
أزمة أسواق المال ليست التمويل
وذكر محيي الدين أن أزمة أسواق المال ليست أزمة تمويل، ولكنها أزمة سببها صدمة عرض وطلب نتيجة أزمة صحية بالأساس، لافتا إلى أنها تعطى مؤشرات للتعافى من عدمه، وهو ما ظهر عندما أقرت الدول حزم تحفيزية لتنشيط اقتصاداتها وعلى رأسها الولايات المتحدة التي أقرت حزمة ضخمة قيمتها 2.5 تريليون دولار، مؤكدا أنه إذا لم يكن الاقتصاد الحقيقى سليم، فسيحدث خروج من أسواق المال.
وتطرق محيي الدين للحديث عن هبوط أسواق النفط، والتي ترتبط بجانب العرض واستشراف ما سيحدث وبالتالي جانب الطلب، مطالبا مصر بالتفكير في عقود شراء طويلة الأجل للنفط، قائلًا: “إن مصر يمكن أن تستفيد من انخفاض أسعار النفط العالمية باعتبارها مستوردا، حيث تتراجع أسعار البنزين وتستفيد القطاعات الإنتاجية، ولكن على الجانب الآخر ستتضرر نتيجة تأثر تحويلات العاملين بالخارج وتراجع الصادرات إلى المنطقة”.
وعن أزمة الديون، أشار محيي الدين إلى أنها ليست بجديدة وقد كانت بالفعل في طي التكوين، ووصلت لأرقام غير مسبوقة في حجم خدمة الدين ونسبة الدين إلى الدخل القومي، مؤكدا على وجود مشكلة إدارة دين على المستوي العالمي من قبل الأزمة الحالية.
أزمة غذاء
وحذر محيي الدين من دخول العالم في أزمة أخرى تتمثل في الغذاء، لافتا إلى أن الأزمة الحالية تختلف كثيرا عن الأزمات السابقة في 2008 و2010، والآن هناك معاناة من مشكلة عرض نتيجة انتشار فيروس كورونا، وهو ما يتطلب وجود ما أطلق عليه “قنوات خضراء” تسمح بانتقال البضاعة وعمل الاقتصاد في الوقت الذى يجب أن نلتزم فيه بالتباعد.
وحذر محيي الدين من قيام الدول بغلق صادراتها، واصفا إياه بأخطر ما يمكن فعله، لأنه قليل من الدول يمكن أن تحقق الاكتفاء الذاتي، وهو ما يتطلب تنسيقا عالميا حتى لا تحدث أزمة كبيرة جدا.
وضع مصر في ظل فيروس كورونا
وعن توقعات النمو الاقتصادي في مصر، قال إنه لا يجب العمل على افتراضات غير واقعية لمعدل النمو، ويجب أن تنخفض إلى النصف على الأقل، بما يعنى أنه إذا كانت التقديرات الأولى للنمو 5% فيجب أن تكون التقديرات بعد الأزمة 2.5%، وأن هذا الأمر كان سابقا على إعلان مرحلة الركود في الاقتصاد العالمي.
وشدد على أهمية التركيز بشكل جدي على تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وعلى رأسها الاهتمام بالرعاية الصحية، والتعليم، ومكافحة الفقر، وهى أكثر الدروس المستفادة من الأزمة، مطالبا الحكومة المصرية بوضع أولوية للتأمين الصحى الشامل وتطبيقه في جميع المحافظات وليس على سبيل التجريب.
وقال إن دعم القطاع الصحي في مصر لا يجب أن يقل عن 1.5% من الدخل القومى، وهو ما يعنى حاجتنا لنحو 50 – 70 مليار جنيه إضافية للإنفاق على القطاع، داعيا لمراجعة أولويات الموازنة العامة، ويجب إيجاد منظومة جديدة تماما للإنفاق العام بأولويات جديدة تأخذ فيها الدولة دورا أكبر في مجالات الرعاية الصحية والتعليم وتوطين الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية دون أن تزاحم القطاع الخاص والقطاع العائلى.
وأكد أن قطاع التعليم سيشهد تغييرات جوهرية نتيجة الأزمة، وسيكون التوجه نحو التعليم عن بعد باستخدام التكنولوجيا الحديثة، وأن موضوع التابلت في مصر جاء “ضربة حظ” في مواجهة الأزمة، لأنه يوفر الأجهزة المطلوبة لهذا النوع الجديد من التعليم.
ووصف الأزمة بأنها صحية اجتماعية اقتصادية، لن يستفيد منها أحد، فالجميع متضرر، ولكن هناك فرص أمام مصر تتمثل في الاستثمار في الصحة والتعليم وجعلهم أولوية، والاهتمام بالاستثمار في البنية التحتية والمواصلات العامة، والاستثمار في التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعى وتوطين هذه الصناعة، ودعا إلى ربط كافة الوحدات الصحية في جميع القرى بالتكنولوجيا وتعيين أطباء أكفاء، وتوطين التنمية لا مركزيا، فما يميز دولة عن أخرى هو أن يكون في كل قرية أو مدينة صغيرة قدرات تلبى الحد الأدنى من الأمور الحياتية.
وعن حزمة الـ100 مليار جنيه التي خصصتها مصر لمواجهة الأزمة، يتوقع أنه سيكون هناك احتياج لمبالغ إضافية، ويجب أن تكون الحكومة مستعدة لذلك، وهذا يعنى أن عجز الموازنة سيزيد ، ويمكن الاستفادة من تراجع سعر الفائدة في تخفيض تكلفة التمويل، ولكن هذا يتطلب إدارة جيدة ومتكاملة لعدة سنوات قادمة، كما يمكن أيضا لمصر تعميق التصنيع المحلى في عدد قطاعات لأننا دولة تستورد 70% من احتياجاتها من الخارج.
وشدد محيي الدين على أهمية زيادة الاستثمار في رأس المال البشرى وزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم، وتوسيع شبكة التأمينات الاجتماعية والصحية في القطاعين العام والخاص.
وتحدث محي الدين عن وجود حجم ضخم من العمالة غير الرسمية في مصر، وطالب بوجود نظام لدعم البطالة، وهو نظام الدخل الأساسى الشامل الذى تطبقه عدد من دول العالم حيث يحصل الشخص بمجرد خروجه من التعليم على دخل أساسي أيا كانت قيمته، لحين حصوله على فرصة عمل.
عالم جديد
واختتم حديثه بأن هذه الأزمة كاشفة للقدرات الإيجابية والسلبية، وتنشئ وضعا عالميا جديدا، ومن أهم دروسها أن الدول عليها أن تأخذ قضية تحقيق التنمية المستدامة بشكل أكثر جدية فيما بعد.
وقال: “أنا أكثر تفاؤلا بما بعد الأزمة، فهناك إمكانية كبيرة لتحقق تطور كبير في المجتمع المصرى إذا ما أحسنا فهم الدروس من الأزمة، فنحن أمام واقع جديد وعالم مختلف “.




