مقالاتعام نشرة

مهند ياقوت يكتب: هل ديون مصر الخارجية تبعث القلق؟

منذ ثورة 2011، وما تلاها من اضطرابات وفوضى سياسية، مر الاقتصاد المصري بحالة من الضعف المخيف؛ نتج عنها تأثر مصادر الإيرادات الأساسية بالعملات الأجنبية لمصر سلبياً ما أدى إلى حدوث حالة نسبية من ركود الاقتصاد.

ودفعت حالة عدم اليقين الواضحة للاقتصاد بالنسبة للمستثمرين الأجانب والمؤسسات الدولية، الحكومات المتعاقبة خلال السنوات التي سبقت برنامج الإصلاح الاقتصادي إلى عقد مؤتمرات ومنتديات اقتصادية، وتعديل بعض التشريعات بهدف تشجيع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر وإطلاق حملات ترويجية للسياحة الذي يعد من أهم مصادر النقد الأجنبي الأساسية بالنسبة لمصر، كل ذلك بجانب محاولات السيطرة على السوق السوداء للعملات الأجنبية التي كانت تؤرق البنك المركزي وتلتهم جزء كبير من التحويلات الخاصة بالعملات الأجنبية من الخارج. إلا أن مردود تلك المحولات كان محدودًا وكانت معدلات الرضاء ليست بالكبيرة ولا النتائج كانت فاعلة، لا سيما وأن نصائح المؤسسات العالمية لمصر آنذاك كانت تنصب حول وجوب تبني برنامج إصلاح اقتصادي شامل يكون عاملًا أساسيًا لضمان استقرار الاقتصاد والعودة إلى مرحلة النمو.

وفي وقت كان الجميع ينتظر من مصر قرارًا جريئًا يُحدث إصلاحًا اقتصاديًا جذريًا، أعلنت الحكومة المصرية برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي يعتمد بشكل أساسي على الاستدانة منه أو من مؤسسات دولية ومرتبطًا بإصلاحات هيكلية ونقدية ومالية؛ أملاً في استعادة النشاط الاقتصادي بأسرع ما يمكن وتعويض الهبوط الحاد في الإيرادات وتلبية الاحتياجات من النقد الأجنبي، بجانب إعطاء رسالة طمأنة للمستثمرين حول مستقبل اقتصاد مصر.

أصبح الاقتراض بالنسبة لمصر مفروض في هذه الحالة.. ولم يكون اختيارًا أبدًا

أصبح الاقتراض بالنسبة لمصر مفروض في هذه الحالة.. ولم يكون اختيارًا أبدًا، ما يطرح ذلك تساؤلات دائمًا ما يرددها رافضي التعاون مع صندوق النقد بسبب بعض تجاربه السيئة مع بعض البلدان، حول مدى نجاح مصر في إدارة تلك الأزمة؟.. وهل الاقتراض هو مسكن للوضع الحالي دون النظر لأوجه الصرف السليمة ذات العائد المستدام؟.. وهل حصلت مصر على قروض أكثر من اللازم دون النظر إلى تبعات ذلك؟.. والسؤال الأكثر تشاؤمًا هل سيكون مصير مصر الإفلاس؟.

الإجابة بمنتهى البساطة حول كل هذه التساؤلات (لا).. حيث إن حجم الدين الخارجي الذي يتجاوز 106 مليارات دولار نهاية مارس الماضي، يجب ربطه بمؤشرات اقتصادية أخرى لمعرفة إذا ما كانت تلك الديون أضخم من اللازم وما إذا كانت ستؤثر على مصر سلبيًا.

في هذه الحالة نتبع نفس طريقة تقييم طلب قرض موظف حكومي من أي بنك تجاري، فهل من المنطقي أن يقترض موظف يحصل على راتب لا يتعدى 2000 جنيه قرضًا بنحو مليون جنيه.. ببساطة راتبه أو إيراده الشهري لا يضمن سداد القسط الشهري من القرض بجانب الفوائد. ينطبق ذلك على مصر، خاصة وأنه بالنظر إلى الناتج المحلي الإجمالي للدولة نرى أن نسبة القروض إلى الناتج المحلي الإجمالي لم تتخطى الحدود الخطرة.

وفقا للبيانات الرسمية، فإن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لمصر بنهاية يونيو 2019 بلغت 90.5%؛ ما يعني أن إجمالي الدين يمثل 90.5% من ما يمكن أن ينتجه الاقتصاد المصري بأكمله خلال عام.. بالطبع رقم ضخم، ولكن بالنظر لاقتصاد مُتقدم مثل اليابان فإن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 238%.

المقارنة بين مصر واليابان غير عادلة في كل شئ حتى الديون

بالتأكيد المقارنة بين مصر واليابان غير عادلة في كل شئ حتى الديون، إلا أن الاقتراض بالنسبة للبلدان ليس عائقًا بالشكل الذي ينظر إليه البعض بأنه سئ، مادام الاقتراض يهدف إلى التنمية وليس بهدف الاستهلاك وسد احتياجات السوق من السلع.

بالنظر إلى قائمة البلدان الأكثر استدانة نجد أنها تشمل الولايات المتحدة، والصين أكبر اقتصاديات العالم.. فهل يعني ذلك بأي حال أن تلك الدول على حافة الإفلاس؟.

الحكومة المصرية أعلنت منذ بداية برنامج الإصلاح بشكل علني بأنها ستعمل على تخفيض معدلات الدين ومستمرة في وذلك عبر إصلاحات السياسة المالية، حيث أن إجمالي الدين العام كنسبة من الناتج المالي تراجعت من 108% في العام المالي 2016\2017 إلى 98% نهاية يونيو 2018، و90.5% نهاية يونيو الماضي، وتستهدف والوصول بتلك النسبة إلى 77.5% نهاية يونيو 2022.

تسعى مصر بكل تأكيد في استثمار القروض التي تحصل عليها في مشاريع بنية تحتية واستثمارات طويلة المدى يكون لها مردود إيجابي على الاقتصاد، وليس صرفها في بنود استهلاكية قصيرة المدى وهو ما سوف يضعنا في مأزق كبير على المدى البعيد.

واستخدام القروض التي حصلت عليها الحكومة في بناء اقتصاد تنافسي بمشاريع استثمارية قوية وبنية تحتية تحتمل التطور فإن هذا بالطبع يدعم نمو الناتج المحلي الإجمالي؛ ويؤدي لزيادة الإيرادات العامة للدولة وييسر مهمة الحكومة في سداد القروض وفوائدها، وهذا ما يحدث على أرض الواقع.

بالنظر سريعاً على معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في السنوات القليلة الماضية، نجد ارتفاع نمو الاقتصاد المصري من 4.3% في منتصف 2016 إلى 5.6% نهاية يونيو 2019، فضلا عن القضاء على السوق السوداء للعملات الأجنبية، وتراجع معدلات التضخم والبطالة إلى أدنى مستوياتها منذ 2010؛ ما يدل ذلك على أن الدولة المصرية نجحت في استغلال القروض بشكل أفضل لإنعاش الاقتصاد ودفع عجلة الإنتاج مجدداً بعد فترة من الركود التي تلت الفوضى السياسية.

بالنظر إلى مستقبل متفائل كما أراه، ومع انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي؛ فإن القروض وسياسة الاستدانة التي اعتمدت عليها الحكومة بالتأكيد لن تكون سوى وسيلة لإنعاش اقتصاد مصر وتحقيق غد أفضل للأجيال.

مهند ياقوت 

محلل اقتصادي وفني بالأسواق المالية 


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

اظهر المزيد

أخبار ذات صله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى