
جولة ميدانية فى جنوب تركيا: مصر ضمن الأسواق المستهدفة فى إستراتيجية تعزيز التعاون السياحى
على مدار 6 أيام متتالية، انطلقت جريدة “المال” في جولة صحفية ميدانية إلى جنوب شرق تركيا والتي شملت مدن غازي عنتاب، وشانلي أورفا، وماردين وديار بكر، تلك المنطقة التي تحتضن إرثًا حضاريًا وثراءً ثقافيًا عميقًا، وتُعرف تاريخيًا بـ”أرض الرافدين” أو مابين النهرين حيث يلتقي نهرا دجلة والفرات.

الجولة التي نظمتها وزارة السياحة والثقافة التركية، ووكالة الترويج والتنمية السياحية، بالتعاون مع شركة الخطوط الجوية التركية، تهدف إلى تسليط الضوء على المدن الأربع التي قمنا بزيارتها، وذلك في إطار إستراتيجية طموح لتعزيز حركة السياحة الوافدة من المنطقة أقتصاد مصر، خاصة مصر والتي تُعد واحدة من الأسواق المستهدفة لجلب أعداد سياحية منها.


واستقبلت تركيا نحو 231,097 سائحًا من مصر خلال عام 2024، وبفضل تاريخهما العريق وتراثهما الجغرافي الغني وطابعهما الثقافي الدافئ، يسعى البلدان إلى تعزيز التبادل السياحي بينهما في السنوات القادمة.

كما يجري حاليًا تطوير مشروعات جديدة لتعزيز التعاون السياحي بين البلدين، حيث تتكامل عروضهما السياحية في جوانب عديدة وفقًا لوزارة السياحة والثقافة التركية.

كانت بداية الجولة في مدينة غازي عنتاب، والتي تقع على طريق الحرير التاريخي، مما يجعلها ملتقى حضارات وطرق تجارية هامة بين بلاد الرافدين والبحر الأبيض المتوسط.
على أرض الواقع، تزخر غازي عنتاب بأطلال عصور متعددة، من العصر الحجري القديم إلى العصور الرومانية، مرورًا بفترات المماليك والعثمانيين، حيث لا تزال المساجد والمدارس التاريخية تروي قصصًا متداخلة عبر الزمن.
تعرفنا خلال الجولة على تاريخ المدينة والتي قاومت بكل قوتها بعد الحرب العالمية الأولى، الاحتلال البريطاني والفرنسي، ومن أشهر معالم غازي عنتاب متحف الفسيفساء والذي يٌعد واحدًا من أكبر متاحف الفسيفساء في العالم من حيث حجم المبنى والمساحة المغطاة به.

كما توجهنا إلى سوق النحاسين وهو مجمع من المتاجر يعمل به العديد من الحرفيين في الصناعات اليدوية، وتوفر السوق جوًا أصيلًا بمتاجرها ذات الأسقف الخشبية وشوارعها المرصوفة بالحجارة، وعلى الرغم من عدم معرفة التاريخ الدقيق لبنائها، إلا أنه يُعتقد أنها بُنيت في القرن التاسع عشر .
شاهدنا خلال الجولة مدينة زيوغما القديمة والتي تعني الجسر أو المعبر وبُنيت على التلال إذ تقع على بُعد نحو 10 كيلومترات شرق منطقة غازي عنتاب منذ عام 300 قبل الميلاد، وتعد واحدة من أهم المواقع الآثرية هناك.

شانلي أورفا مدينة الأنبياء
توجهنا في محطتنا الثانية إلى “شانلي أورفا” والتي توصف بأنها مدينة الأنبياء ومتحف مفتوح إذ تضم اكتشافات تاريخية ودينية وأثرية بتاريخ يمتد لـ 12 ألف عام، كما تحمل المدينة آثار ديانات وثقافات وحضارات مختلفة.
ويقع في “شانلي أورفا” أيضًا موقع “غوبكلي تبه” المُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وهو أقدم هيكل أثري معروف في العالم، إضافة إلى منطقة “تايش تَبَلَر”.

وخلال الزيارة تعرفنا على تفاصيل متحف “شانلي أورفا” والذي يعد أكبر مجمع متحفي في تركيا، ويضم أكبر مجموعة في العالم من العصر الحجري الحديث، ومن أشهر معالمها “باليكلي جول” إذ تشير الروايات إلى أنه المكان الذي ألقي فيه النمرود النبي إبراهيم في النار وأن مكان تلك النار قد تحول إلى بحيرة فيما تحول الحطب المستخدم في إشعال النار إلى أسماك.
انتقلنا بعد ذلك إلى محطتنا الثالثة وهي مدينة “ماردين” والواقعة في جنوب شرق تركيا، تمتد من قمة التل التي تأسست عليها حتى سفح التل، وتكشف الحفريات والأبحاث أن تاريخ المدينة يعود إلى قبيلة السوبار التي عاشت في وادي الرافدين بين عامي 4500 و3500 قبل الميلاد.
تقع ماردين على طريق الحرير التاريخي، وتحوي العديد من الخانات، والقصور، والمساجد، والأضرحة، والكنائس، والأديرة التي تعود لقرون مضت، وتحظى بأهمية فنية ودينية.

ومن أبرز معالمها مسجد ماردين الكبير، دير الزعفران، كنيسة مور بهنام (كنيسة الأربعين شهيدًا)، مدرسة زنقريه، مدرسة قاسميه، ودير مور غبريال، أما موقع دارا التاريخي، فهو يعد من أعظم المواقع الأثرية في بلاد ما بين النهرين، والتي تأسست كحصن عسكري في العصر الروماني وكانت حصنًا للإمبراطورية الرومانية الشرقية، وتضم مقبرة مشهورة دفن فيها مئات من السكان السريان والزرادشتيين والأتراك .
وفي محطتنا الأخيرة كانت زيارتنا إلى مدينة ديار بكر والتي تقع على نهر دجلة وتحمل آثار 33 حضارة مختلفة، كما تُعد من أقدم المدن في الأناضول وبلاد ما بين النهرين، إذ شهدت صعود وسقوط حضارات عديدة، بدءًا من الآشوريين واليورارتيين والرومان وحتى العثمانيين.

وجذبت موقعها الإستراتيجي عند تقاطع طرق التجارة الهامة أنظار العالم عبر التاريخ، حيث ترتفع جدران المدينة الضخمة والمصنفة كموقع تراث عالمي من اليونسكو، على ارتفاع يتراوح بين 10 إلى 12 مترًا.

ومن أشهر معالمها الجامع الكبير (أولو جامع)، أحد أقدم المساجد في الأناضول، وجسر ملابادي، جسر العشرة أقواس (أون جوزلو)، قلعة زرزفان، ومعبد الميثرات .
خارج الجدران الشرقية للمدينة، تقع حدائق هفصل، المسجلة ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي لليونسكو، وتمتد بين ديار بكر ونهر دجلة على مساحة تبلغ حوالي 4000 دونم، كما تضم كنيسة سورب جيراغوس الأرمنية، ومنطقة إيغيل.

وكانت تركيا استقبلت نحو 62.3 مليون زائر خلال عام 2024، متجاوزة هدفها الأولي البالغ 60 مليونًا والهدف المعدل الذي تم رفعه إلى 61 مليون زائر، فيما بلغت عائدات السياحة 61.1 مليار دولار.




